06222021الثلاثاء
Last updateالثلاثاء, 08 كانون1 2020 7pm

خطب ومحاضرات

رقابة الله عزوجل

الرقيب

لو راقبنا الله حق المراقبة, لصلحت أحوالنا ولما وجدنا مسئولاً يغشً أمته ولا حاكما يستعبد رعيته ولا تاجرًا جشعاً ولا قاضيًا فاسداً ولا موظفًا مرتشيًا ولا عاملاً خائنًا. لو راقبنا الله حق المراقبة, لفتح الله علينا بركات من السماء والأرض, ولما احتجنا إلى البنك الدولي, ولا إلى صندوق النقد الدولي ولا إلى معونات من هنا وهناك.إننا لسنا بحاجة إلى إصلاح مالي وإداري، إنما نحتاج إلىإصلاح القلوب لتعود إلى الله الواحد الأحد علاّم الغيوب.الذي يقول في محكم كتابه:{ مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ [فصلت:46]

 

يقول الله سبحانه وتعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَمَا فِى ٱلأرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَـٰثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَىٰ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ ثُمَّ يُنَبّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ {المجادلة:7}.ولما سئل رسول صلى الله عليه وسلم عن الإحسان قال: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه, فإن لم تكن تراه فإنه يراك).إخوة الإسلام, رجلان من قريش يجلسان في جوف الليل تحت جدار الكعبة وقد هدأت الجفون ونامت العيون, يتذاكران ويخططان ويدبران للكيد برسول الله صلى الله عليه وسلم؟.ظنّ هذان الرجلان أنهما بعيدان عن رقابة الله، وأن الله لا يعلم كثيرًا مما يعملون{ يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيّتُونَ مَا لاَ يَرْضَىٰ مِنَ ٱلْقَوْلِ [النساء:108].تذاكرا هذان الرجلان مصابهم يوم بدر، فقال أحدهم وهو صفوان بن أمية : والله ما في العيش بعد قتلى بدر خير، فقال الآخر واسمه عميربن وهب : صدقت,والله لولا دينٌ عليّ ليس له قضاء وعيالٌ أخشى عليهم الضيعة, لركبت إلى محمد حتى أقتله.اغتنم صفوان هذا الانفعال والتأثرمن عمير فقال له: عليَّ دينك وعيالك عيالي لا يسعني شيء ويعجز عنهم. فقال عمير: فاكتم شأني وشأنك, ولا يعلم بأمرنا أحد. قال صفوان: أفعل. فقام عمير وأحدّ سيفه وانطلق إلى المدينة, يريد قتل الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم.ولما وصل إلى مسجد رسول الله رآه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو متوشح سيفه, فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدومه, فقال عليه الصلاة والسلام لعمر:(أدخله عليَّ)،ثم قال لعمير:(ما جاء بك يا عمير؟) وكان لعمير ابن أسير عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد غزوة بدر.قال: جئت لابني الأسير.فقال عليه الصلاة والسلام:(فما بال السيف في عنقك؟) قال عمير: قبحها الله من سيوف!هل أغنت عنا شيئًا.فقال عليه الصلاة والسلام وقد جاءه الوحي من السماء بما يخفيه عمير: (اصدقني يا عمير، ما الذي جاء بك؟) قال: ما جئت إلا لابني الأسير، فقال عليه الصلاة والسلام:(بل قعدت مع صفوان في الحجر ليلة كذا, وقلت له كذا وقال لك كذا, وتعهد لك بدفع دينك ورعاية عيالك, والله حائل بيني وبينك).قال عمير: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، هذا أمرٌ لم يحضره إلا أنا وصفوان، والله إني لأعلم ما أتاك به الآن إلا الله، فالحمد لله الذي ساقني هذا المساق، والحمد لله الذي هداني للإسلام. إنها رقابة الله الواحد الديان الذي لا يغفل ولا يسهو ولا ينام. إنه علم الله الواسع الذي يَعْلَمُ ٱلسّرّ وَأَخْفَى،الذي يَعْلَمُ خَائِنَةَ ٱلاْعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ،الذي َيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ، يعلم ما تسره الآن في سريرتك ومن بجوارك لا يعلم ذلك، يعلم ما ينطوي عليه قلبك بعد مائة عام وأنت لا تعلم ما ينطوي عليك قلبك بعد ساعات، يعلم ويسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة الصمّاء في الليلة الظلماء.{مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَـٰثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَىٰ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ ثُمَّ يُنَبّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ}(المجادلة7).فهل استشعرنا رقابة الله؟! وهل راقبنا المولى جلّ في علاه؟!هذا ماعز بن مالك يأتي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد استشعر رقابة الله، وقد ارتكب فاحشة الزنا فأتى ليسلم نفسه إلى عدالة المصطفى وحكم الله، قال ماعز: يا رسول الله هلكت، قال:(وما أهلكك؟)،قال:زنيت يا رسول الله. قال:(أبك جنون؟)، قال:لا يا رسول الله.وفي بعض ألفاظ الحديث: (أشربت خمرًا؟)، قال: لا يا رسول الله. فشم الصحابة فلم يجدوا منه ريح الخمر، واعترف أربع مرات أمام الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه زنى، وهو يعلم أن مصيره الرجم بالحجارة حتى الموت, ولكنه يعلم أيضًا أن سقوط الحجارة على رأسه في الدنيا أهون من لحظة واحدةٍ في نار جهنم فلا إله إلا الله! كم نرتكب من الفواحش ولا نطهرأنفسنا منها وكم ننتهك من حرمات ولا نكفرعنها ! أقيم الحد على ماعز بن مالك رضي الله تعالى عنه وفاضت روحه إلى الله، فقال بعض الصحابة: ليته سكت, ليته ستر نفسه. فقال عليه الصلاة والسلام: (والذي نفسي بيده, إنّي لأراه ينغمس في أنهار الجنة).فيا أيها المذنب مختفيًا بالمعاصي عن أعين الخلق, أين الله ؟!! ما أنت والله إلا أحد رجلين, إن كنت ظننت أن الله تعالى لا يراك فقد كفرت، وإن كنت تعلم أنه يراك, فَلِمَ تجترئ عليه وتجعله أهون الناظرين إليك؟{ يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيّتُونَ مَا لاَ يَرْضَىٰ مِنَ ٱلْقَوْلِ}. إياك أن تنتهكً حرمات الله في الظلمات والخلوات بعيدًا عن أعين الناس متسترًا بالظلام أومتلففًا بالجدران , ثم تظن أن الله لا يراك.! عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه يمرّ في ظلام الليل ليتفقد رعيته, وإذا به يسمع امرأة تقول لابنتها: امزجي اللبن بالماء. فقالت البنت: يا أمّاه ألم تسمعي منادي عمر يقول: لا يشاب اللبن بالماء. فقالت المرأة: إنّ عمر لا يرانا الآن. فقالت البنت: يا أمّاه أين الله ؟! والله ما كنت لأطيعه في الملأ وأعصيه في الخلا. فأعجب عمر بهذه البنت النقية المراقبة لله وزوجها بأحد أبنائه فكان من نسله ونسلها عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه وأرضاه.وهكذا كانت المرأة المسلمة, كانت تودع زوجها كل يوم وتوصيه بمراقبة الله وتقول له: اتق الله فينا, راقب الله فينا, ولا تطعمنا إلا حلالاً, فإن أجسادنا تقوى على جوع الدنيا ولا تقوى على حر نار جهنّم. إنها مراقبة الله في السر والعلن، واستشعار رقابته جلّ وعلا في كل وقت ومكان.في الصحيح من حديث ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لأعلمنّ أقوامًا من أمتي يوم القيامة يأتون بحسنات أمثال جبال تهامة يجعلها الله هباءً منثورًا)، قال ثوبان: صفهم لنا يا رسول الله، قال:(أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم ويأخذون من الليل كما تأخذون ـ يعني يقومون الليل ـ لكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها).أخرجه ابن ماجه. بعد عصرالصحابة نجد رجلاً صالحًا تقيًا اسمه نوح بن مريم كان غنيًا أنعم الله عليه، وكان عنده ابنة تقية عابدة جميلة، وكان عنده عبدٌ اسمه مبارك، كان لا يملك من الدنيا قليلاً ولا كثيرًا, لكنه يملك رقابة الله.أرسله سيده إلى بساتينه وقال له: احفظ ثمرها وقم على خدمتها إلى أن آتيك،وبعد شهرين جاءه سيده ليرتاح في بساتينه، وقال له: ائتني بقطفٍ من عنب. فجاءه به, فإذا هو حامض، فقال: ائتني بقطفٍ آخر. فجاءه بقطفٍ آخر فإذا هو حامض، فقال: ائتني بقطفٍ آخر. فجاءه بقطفٍ ثالث, فإذا هو حامض، فغضب سيده وقال له: يا مبارك أطلب منك قطف عنب قد نضج وتأتيني بقطفٍ لم ينضج ألا تعرف حلوه من حامضه؟!قال: والله ما أرسلتني لآكله إنما أرسلتني لأحفظه وأقوم عليه، والله الذي لا إله إلا هو ما ذقت منه عنبة واحدة، والله ما راقبتك ولا راقبت بشرا، ولكني راقبت الله الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. فأعجِب هذا السيد بعبده مبارك وبأمانته وتقواه، فأعتقه لوجه الله وزوجه بابنته،فكان من نسله ونسلها علمُ من أعلام المسلمين,إنه الفقيه العالم الزاهد عبد الله بن المبارك. معاشر المسلمين، والله الذي لا إله غيره لو راقبنا الله حق المراقبة, لصلحت أحوالنا ولما وجدنا مسئولاً يغشً أمته ولا حاكما يستعبد رعيته ولا تاجرًا جشعاً ولا قاضيًا فاسداً ولا موظفًا مرتشيًا ولا عاملاً خائنًا. لو راقبنا الله حق المراقبة, لفتح الله علينا بركات من السماء والأرض, ولما احتجنا إلى البنك الدولي, ولا إلى صندوق النقد الدولي ولا إلى معونات من هنا وهناك. إننا لسنا بحاجة إلى إصلاح مالي وإداري، إنما نحتاج إلىإصلاح القلوب لتعود إلى الله الواحد الأحد علاّم الغيوب.الذي يقول في محكم كتابه:{ مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ [فصلت:46] اللهم افتح مسامع قلوبنا لذكرك وارزقنا طاعتك وطاعة رسولك وعملا بكتابك.ادعوا الله عسى أن تكون ساعة استجابة .

 أما بعد عِبادَ الله، بالاضافة إلى رقابة الله عز وجل ،هناك رقابات كثيرة علينا ، وهناك شهودٌ علينا غير المولى جلّ في علاه، وكفى بالله شهيدًا، وكفى بالله رقيبًا. من هذه الرقابات ومن هؤلاء الشهود محمد صلى الله عليه وسلم، يأتي يوم القيامة شاهدًا على أمته صلى الله عليه وسلم، يقول تعالى:{ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـؤُلاء شَهِيداً [النساء:41]. ومن هذه الرقابات ومن هؤلاء الشهود الملائكة، وسوف تشهد بأعمال الإنسان يوم القيامة إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر{إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقّيَانِ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشّمَالِ قَعِيدٌ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ،}(ق18) {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَـٰفِظِينَ كِرَاماً كَـٰتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الإنفطار:].ومن هؤلاء الشهود السجل والكتاب الذي سوف ينشر بين يديك يوم القيامة، ولا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها{وَوُضِعَ ٱلْكِتَـٰبُ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يٰوَيْلَتَنَا مَا لِهَـٰذَا ٱلْكِتَـٰبِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49]،{وَكُلَّ إِنْسَـٰنٍ أَلْزَمْنَـٰهُ طائره فِى عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ كِتَابًا يَلْقَـٰهُ مَنْشُوراً ٱقْرَأْ كَتَـٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا}(الإسراء 13 ـ 14).ومن هؤلاء الشهود ومن هذه الرقابات الأرض التي ستشهد وتتكلم بما عُمِلَ على ظهرها{إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلاْرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ ٱلارْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ ٱلإِنسَـٰنُ مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدّثُ أَخْبَارَهَا}.ومن الشهود أيضًا الخلق,الناس الذين نعايشهم سوف يشهدون علينا, في الصحيح أن جنازة مرت على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في نفر من أصحابه فأثني الناس عليها خيرًا, فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: (وجبت)، وتمر جنازة أخرى فيثني الناس عليها شرًا, فيقول عليه الصلاة والسلام: (وجبت), فيتساءل الصحابة, فيقول عليه الصلاة والسلام: (أثنيتم على الأولى خيرًا فوجبت لها الجنة، وأثنيتم على الثانية شرًا فوجبت لها النار,أنتم شهداء الله في أرضه).ومن الرقابات أيضًا والشهود، الجوارح ينطقها الله يوم القيامة فتشهد بما عمل الإنسان في هذه الحياة {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاء ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّىٰ إِذَا مَا جَاءوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَـٰرُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُواْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِى أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [فصلت:19-21]. {ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوٰهِهِمْ وَتُكَلّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ [يس:65].فلنتق الله عباد الله, ولنراقب الله في السر والعلن, لنكف عن المحرمات والمنكرات, ونقدِّم لأنفسنا أعمالاً صالحات تبيِّض وجوهنا يوم الفضائح والكربات.فالتوبة التوبة عباد الله, فإن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل, حتى تطلع الشمس من مغربها.
ذكر ابن رجب رحمه الله في ترجمته للقاضي أبي بكر الأنصاري أنه كان يسكن مكة المكرمة، فأصابه في يوم من الأيام جوع شديد ، فخرج يبحث عن طعام فلم يجد، وفي طريقه وجد كيساً من حرير مشدود برباط من حرير، فأخذ هذا الكيس، وذهب به إلى بيته،ولما فتح الكيس وجد به عقداً من اللؤلؤ لم ير مثله في حياته، فربط الكيس وأرجعه كما كان، ثم خرج يبحث عن طعام وإذا به يسمع شيخاً ينادي ويقول: من وجد لي كيساً صفته كذا فله خمسمائة دينار من الذهب فأخذه إلى بيته، وهو جائع فقير لا يملك من الدنيا شيئاَ ، فقال له: صف لي أوصاف الكيس والعقد الذي بداخله، فوصفه له كما هو عليه، فدفع له ذلك العقد فأعطاه الجائزة خمسمائة دينار،فلم يقبلها، فألح عليه وأصرأن يأخذها فقال له: والذي لا إله إلا هو ما آخذ عليه جزاءً من أحد سوى الله،وذهب الشيخ ومعه عقد اللؤلؤ وانتهى موسم الحج وعاد إلى بلده،وخرج هذا الرجل الصالح أبو بكر البزاز وركب البحر في رحلة بحرية، فجاءت ريح عاصفة أغرقت المركب وهلك الناس ، وسلمه الله وحفظه الله حيث تعلق على قطعة من المركب فأخذت أمواج البحر تقذفه يميناً وشمالاً إلى أن ألقته إلى جزيرة فيها قوم أميون لا يقرؤون ولا يكتبون، فأغاثوه وأكرموه، فعلمهم القراءة والكتابة وعلمهم القرآن وحصل له ولهم من ذلك خير كثير، فرغبوا فيه وأحبوه ، وأرادوا أن يبقى معهم، فقالوا له: عندنا صبية يتيمة معها شيء من الدنيا نريد أن نزوجك بها وتبقى معنا في هذه الجزيرة فامتنع ورفض،فألحوا عليه وأصروا على بقائه،فوافق وجهزوها له فلما دخل عليها إذا به يرى العقد الذي رآه في مكة معلقاً في عنقها، دهش الرجل وأخذ يواصل النظر في ذلك العقد حتى قال له محارمها: يا شيخ كسرت قلب هذه اليتيمة، لم تنظر إليها وإنما تنظر إلى العقد، فقال الشيخ: إن لهذا العقد قصة وقص عليهم الخبر: فصاحوا جميعاً بالتهليل والتكبير والتسبيح، قال لهم الشيخ: ما بكم؟ قالوا: إن الشيخ الذي أخذ منك العقد في مكة هو أبو هذه الصبية وكان يقول بعد عودته من الحج ويردد دائماً: والله ما وجدت على وجه الأرض مسلماً كهذا الذي رد علي العقد بمكة، اللهم اجمع بيني وبينه حتى أزوجه ابنتي.وقد حقق الله دعوته..
إنها تقوى الله ومراقبة الله{ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} [الطلاق:2-3] فلنتق الله عباد الله، ولنراقب المولى جل في علاه، لنحفظ الله عز وجل بالرجوع إليه والتوبة من الذنوب والمخالفات، لنحفظ الله عز وجل بحفظ جوارحنا وأموالنا وأولادنا وقلوبنا من النفاق والرياء والحقد والحسد. لنحفظ الله بحفظ دينه وحفظ كتابه وحفظ شريعته وحفظ سنة نبيه صلى الله عليه وسلم .لنحفظ الله بحفظ روح الأخوة الاسلامية بيننا والعمل لهذا الدين كل حسب طاقته وكل حسب خبرته نبتغي بذلك الأجر والثواب من الله وليس من الناس . 

Bookmakers bonuses with www gbetting.co.uk site.